الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

282

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

ومواساته إياّه في كل خوف ، واحتجاجك علي ، وعتبك لي بفضل غيرك لا بفضلك . فأحمد إلها صرف الفضل عنك ، وجعلك لغيره ، وقد كنّا وأبوك معنا في حياة من نبيّنا نرى حقّ ابن أبي طالب لازما لنا ، وفضله مبرّزا علينا . فلمّا اختار اللّه لنبيهّ ما عنده وأتمّ له ما وعده ، وأظهر دعوته وأفلج حجتّه . قبضه إليه ، فكان أبوك وفاروقه أول من ابتزهّ وخالفه ، على ذلك اتّفقا واتّسقا . ثم دعواه إلى أنفسهم فأبطأ عنهما وتلكّأ عليهما . فهمّا به الهموم ، وأرادا به العظيم ، فبايع وسلّم لهما ، لا يشركانه في أمرهما ولا يطلّعانه على سرّهما ، حتّى قبضا وانقضى أمرهما ، ثم قام بعدهما ثالثهما عثمان بن عفان يهتدي بهديهما ، ويسير بسيرتهما . فعبته أنت ، وصاحبك . حتى طمع فيه الأقاصي ، وبطنتما له ، وأظهرتما عداوتكما وغلّكما . حتّى بلغتما منه منا كما . فخذ حذرك يا ابن أبي بكر . فسترى وبال أمرك ، وقس شبرك بفترك . تقصر من أن توازي من تزن الجبال حلمه ، لا تلين على قصر قناته ، ولا يدرك ذو مدى أناته أبوك مهّد مهاده ، وبنى ملكه وشاده . فإن يمكن ما نحن فيه صوابا فأبوك أولّه ، وإن يك جورا فأبوك اسهّ ، ونحن شركاؤه ، بهديه أخذنا ، وبفعله اقتدينا ، ولولا ما سبقنا إليه أبوك . ما خالفنا ابن أبي طالب وأسلمنا له ، ولكنّا رأينا أباك فعل ذلك فاحتذينا بمثاله ، واقتدينا بفعاله ، فعب أباك ما بدا لك أو دع ( 1 ) . ولعمري إنّ جوابه عين حقيقة الأمر ، ومن قضايا العقول أنّ بطلان اللازم يدلّ على بطلان الملزوم . فلو كانت خلافة صدّيقهم حقّا كانت خلافة معاوية أيضا حقّا ، مع وضوح بطلانها لكونه عدوّ اللّه وعدوّ رسوله ، وعدوّ دينه ، ولعين نبيهّ ، فخلافة أبي بكر أيضا كذلك .

--> ( 1 ) رواه المسعودي في مروج الذهب 3 : 11 ، وابن مزاحم في وقعة صفين : 118 ، والبلاذري في أنساب الأشراف 2 : 393 ، لكن لم يوجد في كتابي أبي الفرج : مقاتل الطالبيين ، والأغاني .